محمد جمال الدين القاسمي

99

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تنازع وتجالد مستمرّ دماء بين العالمين مسفوكة ، وقوى منهوكة ، وأموال هالكة ، وظلم من الإحن حالكة . ومع ذلك ، فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنّن في الملاذ بالغة حدّ ما لا يوصف في قصور السلاطين والأمراء ، والقواد ورؤساء الأديان من كل أمّة ، وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حدّ . فزادوا في الضرائب ، وبالغوا في فرض الإتاوات ، حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم . وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها ، وانحصر سلطان القويّ في اختطاف ما بيد الضعيف . وفكّر العاقل ، في الاحتيال لسلب الغافل ؛ وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة والخوف والاضطراب ، لفقد الأمن على الأرواح والأموال . غمرت مشيئة الرؤساء إرادة من دونهم . فعاد هؤلاء كأشباح اللاعب . يديرها من وراء حجاب ، ويظنها الناظر إليها من ذوي الألباب ، ففقد بذلك الاستقلال الشخصيّ ، وظنّ أفراد الرعايا أنهم لم يخلقوا إلّا لخدمة ساداتهم وتوفير لذّاتهم ، كما هو الشأن في العجماوات مع من يقتنيها . ضلت السادات في عقائدها وأهوائها ، وغلبتها على الحق والعدل شهواتها . ولكن بقي لها من قوة الفكر أردأ بقاياها . فلم يفارقها الحذر من أنّ بصيص النور الإلهي ، الذي يخالط الفطر الإنسانية ، قد يفتق الغلف التي أحاطت بالقلوب ، ويمزّق الحجب التي أسدلت على العقول . فتهتدي العامة إلى السبيل ، ويثور الجم الغفير على العدد القليل ، ولذلك لم يغفل الملوك والرؤساء أن ينشئوا سحبا من الأوهام . ويهيّئوا كسفا من الأباطيل والخرافات ، ليقذفوا بها في عقول العامة . فيغلظ الحجاب ، ويعظم الرّين ، ويختنق بذلك نور الفطرة . ويتم لهم ما يريدون من المغلوبين لهم . وصرّح الدين ، بلسان رؤسائه ، أنه عدوّ العقل وعدوّ كل ما يثمره النظر . إلّا ما كان تفسيرا لكتاب مقدس . وكان لهم في المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب ، ومدد لا ينفد . هذه حالة الأقوام كانت في معارفهم ، وذلك كان شأنهم في معايشهم . عبيد أذلاء ، حيارى في جهالة عمياء ، اللهمّ إلّا بعض شوارد من بقايا الحكمة الماضية ، والشرائع السابقة ، آوت إلى بعض الأذهان ، ومعها مقت الحاضر ، ونقص العلم بالغابر ، ثارت الشبهات على أصول العقائد وفروعها ، بما انقلب من الوضع ، وانعكس من الطبع ، فكان يرى الدنس في مظنة الطهارة ، والشره حيث تنتظر القناعة ، والدعارة حيث ترجى السلامة والسلام . مع قصور النظر عن معرفة السبب ، وانصرافه لأول وهلة إلى أن مصدر كلّ ذلك هو الدين . فاستولى الاضطراب على المدارك . وذهب بالناس